علم ـ أيها اللبيب ـ أن الله تعالى لمّا خلق الإنسان، أودع فيه عقلًا يطلب المعنى كما تطلب الأرض الغيث، وجعل الفكر سريع التبدّد إن لم يُقَيَّد، كالسحاب إن لم يُمطر. ومن أعجب ما وقف عليه المتأملون من أحوال العقل، أن المعرفة إذا لم تُكتَب ضاعت، وإذا كُتبت ثبتت، وإذا نُظمت نمت، وإذا رُوجعت أثمرت.
وقد تأملتُ أحوال طائفة من عظماء العقول عبر الأزمنة، فوجدتهم ـ على اختلاف طبائعهم وتباعد عصورهم ـ قد اتفقوا على أمرٍ خفيٍّ جليل: أن الفكر لا يستقر إلا إذا نزل من الذهن إلى القرطاس، وأن الكتابة ليست نقلًا لما في العقل، بل هي صناعةٌ للعقل نفسه.
ومنهم من كان إذا لمع في ذهنه خاطرٌ، بادر إلى اقتناصه قبل أن ينفلت، فإن الخاطر كالصيد إن أُهمل لحظة هرب. وقد كان بعضهم لا يفارق أداة كتابة، يدوّن الفكرة في مهدها قبل أن تكتسي أو تتشوّه. وهذا يدل على فقهٍ دقيق بطبيعة النفس؛ فإن النفس إذا أُجّلت خانت، وإذا أُهملت نسيت، وإذا كُلفت آنًا أطاعت.
ومنهم من علم أن كثرة الأفكار تُضِلّ إذا لم تُقسّم، فجعل للصفحة نظامًا، وللفكرة موضعًا، وللسؤال حيّزًا مستقلًا. فكأنما بنى للعقل بيتًا، وجعل لكل متاع فيه مخزنًا، فاستراح من فوضى الخاطر، وسَلِم من ازدحام المعاني. وهذا من أعجب ما يُرى؛ إذ إن النظام في الورق يُنشئ نظامًا في العقل، كما أن فوضى الظاهر مرآة لفوضى الباطن.
ورأيتُ من أهل البصيرة من ترك السطور، وآثر الرسوم، لأن بعض المعاني لا تُرى إلا إذا شُكّلت، ولا تُفهم إلا إذا نُظِر إليها. فجعل الأسهم بدل الجمل، والعلاقات بدل العبارات، وحذف الزوائد ليُبقي الجوهر. وهنا يظهر أن الفهم ليس في كثرة الكلام، بل في حسن الإشارة، وأن العقل أحيانًا يُبصر قبل أن ينطق.
ومنهم من إذا أعياه الأمر، فرّق المسألة على صفحات، ونشر الأفكار على الجدران، وحرّكها كما يُحرّك الشطرنج، حتى تتبيّن له الصورة. وهذا يدل على أن بعض المشكلات لا تُحل بالجلوس، بل بالمشاهدة، ولا تُفهم بالترتيب الخطي، بل بالبناء المكاني.
ومن أعجبهم من كان يُفرغ الفكرة من حشوها، فلا يرضى عنها حتى تصير جملة واحدة، أو معادلة مختصرة، لأنه يعلم أن العلم الحقيقي لا يكثر لفظه بل يصفو معناه. وكان يسأل: لماذا صحّ هذا؟ لا ماذا قيل فيه؟، فيمتحن الفكرة لا ليحفظها، بل ليكشف صدقها.
ومنهم من جعل الكتابة مرآة للنفس، يسجل مشاعره لا ليشكو، بل ليفهم، ولا ليحكي الأحداث، بل ليدرك أثرها عليه. فإذا قرأ ما كتب، أعاد تقويم قراراته، كأنما يستشير نسخةً أصدق من نفسه.
فإذا تأملتَ ـ رحمك الله ـ علمتَ أن الكتابة ليست ترفًا، بل ضرورة عقلية، وأن من لم يكتب فكره عاش أسير التشتت، وأن القلم ليس خادم العقل فحسب، بل شريكه في الخلق.
وقد صدق من قال:
الفكرة قبل الكتابة ظن، وبعدها علم، وبعد مراجعتها حكمة.
فاجعل لك ـ أيها الطالب للمعنى ـ دفترًا تُفرغ فيه خاطرك، ونظامًا تُهذّب به فكرك، ومراجعةً تُحيي بها علمك، فإن العقل إن لم يُدار ضاع، وإن لم يُقيّد طاش، وإن لم يُحاسب غوى.
والله أعلم.