كان الزمن يومها غير الزمن… وكانت الجزيرة العربية كأنها واقفة على أطراف أصابعها، تراقب ما الذي سيفعله هذا النبي الذي لا يتعب، ولا يردّ السوء بسوء.
بعد حنين… هربت هوازن بكل ما بقي لها من كبرياء، ومعهم قائدهم مالك بن عوف، ولاذوا بالطائف.
والطائف يا صاحبي… ليست مدينة عابرة.
هذه هي المدينة نفسها التي أقبل إليها النبي ﷺ مرةً، هو وزيد بن حارثة… يدعوهم، يلتمس منهم قلبًا ينفتح، أو عقلًا ينصت… فما وجد إلا الحجارة والشتائم وقلوبًا أقسى من الصخور.
ومع ذلك قال لزيد تلك الكلمة التي تحفظها السماء:
"يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا…"
كأنه لم يأتِ من مكان طردوه… بل من مكان فتحوا له أبواب الدعاء.
إلى الطائف… مرة أخرى
وصل النبي ﷺ والمسلمون إلى أسوار الطائف.
توقع الناس أن تقوم قيامة الحرب… جيشان لم تر الجزيرة مثل عددهما.
لكن المفاجأة أن هوازن لم تخرج للقتال.
بالرغم من أنهم أكثر من المسلمين…
وبالرغم من أن نساءهم وأطفالهم وأموالهم كلها في يد المسلمين…
إلا أنهم أغلقوا الأبواب، واختبؤوا في حصونهم.
وهذا يا طويل العمر… دليل أن الهزيمة ليست عددًا… إنما هي خوف يسكن القلب.
الحصار… والنبي القائد
بدأت هوازن تمطر المسلمين بالسهام…
يقول أحد الصحابة:
"كأنها الجراد"
بينما سهام المسلمين لا تصل إليهم.
سقط شهداء… وجرح آخرون.
فأرسل النبي ﷺ يستدعي رجلًا يعرفه التاريخ جيدًا…
الحبّاب بن المنذر.
هذا هو نفسه الذي غيّر مجرى بدر…
وغيّر مجرى خيبر…
وقال له النبي ﷺ:
"يا حباب، انظر مكانًا مرتفعًا مستأخرًا عن القوم."
فمضى الحباب حتى وصل إلى المكان الذي صار فيما بعد مسجد الطائف… وهناك نقل النبي ﷺ الجيش.
المنجنيق… والدبابة الأولى في الجزيرة
احتاج المسلمون للمنجنيق…
فتذكّروا ما استخدموه في خيبر…
لكن ما معهم شيء الآن.
فاجتمعوا تحت إشراف سلمان الفارسي، وصنعوا منجنيقًا جديدًا…
وصنعوا شيئًا لم تره الجزيرة من قبل:
"الدبابة الخشبية".
غرفة خشب قوية… تمشي على عجلات…
يختبئ الجنود تحتها… يصلون إلى السور…
يحفرون… يضعون الدعائم… ثم يشعلون النار وينسحبون…
فإذا السور ينهار… كأنه يسجد للسيف.
كانت بوابة النصر قريبة… ولكن الشوك أقرب
تحرك الجنود تحت الدبابة…
وانهار جزء من السور…
لكن هوازن ألقوا عليهم حسكًا محمى بالنار…
قطع الحديد هذه تغرز في القدم كأنها تلدغ القلب…
فتراجع المسلمون متألمين.
حيلة ذكية… وعبيد يفتحون بابًا من داخل الحصن
نادى النبي ﷺ:
"أي عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر."
هرب 23 عبدًا…
وجاءوا إلى رسول الله ﷺ…
وكأن الحرية كانت تسحبهم إليه سحبًا.
عرف منهم أن في الطائف طعامًا وشرابًا يكفي سنة كاملة…
فعرف النبي ﷺ أن القوم لن ينهاروا جوعًا…
وأن الحصار سيطول.
أربعون يومًا… ثم قرار الرحيل
طال الحصار…
سقط الشهداء…
وجُرح الكثير…
فاستشار النبي ﷺ أصحابه في رفع الحصار.
ومن بين المستشارين…
رجل كان قبل ثلاثة أشهر فقط عدوًا للمسلمين:
نوفل بن معاوية الديلمي.
هذا هو الذي قاد بني بكر للاعتداء على خزاعة…
ولكن النبي ﷺ يا صاحبي… ليس رجل ثأر…
إنه رجل قلوب.
قال نوفل:
"يا رسول الله… هم ثعلب في جحر. إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك."
كلام رجل يعرف طبائع العرب…
ويعرف أن الحرب ليست دائمًا سيفًا…
أحيانًا تكون انتظارًا.
فأخذ النبي ﷺ بمشورته…
وأمر عمر بن الخطاب أن يؤذّن بالرحيل.
اعتراض… ثم طاعة من نوع آخر
قال بعض الصحابة:
"نرحل ولم تُفتح الطائف؟"
فابتسم النبي ﷺ وقال:
"فاغدوا على القتال."
قاتل المسلمون يومًا كاملًا…
وجُرحوا…
فلما انتهى اليوم… قال النبي ﷺ مبتسمًا:
"إنا قافلون غدًا إن شاء الله."
قالوا: يا رسول الله، ادعُ على ثقيف.
فرفع يديه وقال الدعاء الذي غيّر التاريخ:
"اللهم اهدِ ثقيفًا وائتِ بهم مسلمين."
هذا ليس صوت قائد…
هذا صوت أبٍ يدعو لأولاده.
فتح القلوب
وبعد أقل من عام…
جاءت ثقيف مسلمة…
وجاءت هوازن مسلمة…
والعجيب أنهم لم يرتدوا بعد وفاة النبي ﷺ كما فعلت قبائل كثيرة
الدعاء حفظهم
وكأن الرحمة علّمتهم طريقها.
وإلى الجعرانة… أكبر غنائم العرب
ذهب النبي ﷺ إلى الجعرانة…
ليقسم غنائم هوازن…
وكانت أعظم غنيمة عرفها العرب.