مقالات & # 187 ؛ التعليم & # 187 ؛ فن التعامل مع الخلق
اعلم رحمك الله أن الناس معادن، وأن النفوس أوعية، فمنها ما يلين عند الحكمة، ومنها ما لا يزداد بالضغط إلا صلابة. وقد ابتلي العاقل في دنياه بمخالطة من يقطع حديثه، أو يستخف برأيه، أو يثور عند أول خلاف، ولو اعتزلهم جميعا لتعطلت المصالح، ولو جاراهم في السفه خسر نفسه قبل أن يخسرهم. وإن من فقه النفس أن يعرف المرء مواضع الكلمة، ووقت السكوت، وحدود الاحتمال. فليس كل صمت عجزا، ولا كل كلام شجاعة. وقد رأيت في أحوال الخلق أن أكثر الخصومات لا تنشأ من ضعف الحجة، بل من طغيان النفس إذا أحست أن سلطانها مهدد. فإذا قوطعت في حديثك، فلا تستحضر الغضب، فإن الغضب رسول الندم، ولكن قل بوقار من يملك نفسه: دع للكلام تمامه، فإن تمام الكلام يجلّي المعنى. فإن من قطع على غيره حديثه إنما يشهد على اضطراب باطنه، لا على قوة رأيه. وإذا رُدّ رأيك باستخفاف، فاعلم أن الأفكار لا تقتلها السخرية، وإنما تضعفها المجادلة العقيمة. فافتح للقول بابا آخر، وقل: هذا وجه، وللأمر وجه غيره. فإنك بذلك تعلم غيرك أن الفكر رحب، وأن الصواب لا يحتكر. وإذا اشتد الخصم وانفعل، فاجعل هدوءك ميزانا لغضبه، فإن النار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله. وقل إنما نطلب الفائدة لا الغلبة، فإن الخصومة إذا خرجت من طلب الحق صارت رياء مقنعا. وإذا أبى بعضهم أن يحتكم إلى العقل والدليل، فذكّره بلطف أن الآراء بلا برهان كالأجساد بلا أرواح، تتحرك قليلا ثم تسقط. واطلب الحقائق لا الأصوات، فإن العاقل يزن المعاني لا حدّة النبرة. وقد يعرض للإنسان موقف يرى فيه أن الاستمرار عبث، فليكن له شجاعة الانسحاب الكريم، فإن قطع النقاش في وقته حكمة، وتأجيله حفظ للود. وليس كل باب يطرق فيفتح، ولا كل ساعة صالحة للحوار. واعلم أن من الناس من يحاول أن يجرّ الحديث إلى حيث يخدم صورته لا الحقيقة، فاثبت على مقصودك، وردّ الحديث إلى غايته، فإن من ملك وجهته لم تضره التفافات الطريق. ثم اعلم يا رعاك الله أن هذه الأخلاق ليست حِيلا خطابية، بل ثمرات تربية إيمانية. فمن راقب الله في كلامه، هان عليه أن يتنازل عن انتصار وهمي ليحفظ سلامة قلبه. ومن عرف قدر الدنيا، لم يتكلف فيها معارك تسرق عمره ولا تزيده قربا. فاجعل نيتك في الحوار هداية المعنى لا هزيمة الأشخاص، وإصلاح الفكرة لا كسر النفوس. واذكر أن حسن الخلق نصف العقل، وأن كظم الغيظ عبادة صامتة، وأن من أصلح باطنه، لان له ظاهر الخلق، وسكنت حوله الخصومات وإن لم يسع إليها. هذا، والله ولي التوفيق، وهو أعلم بسرائر القلوب.