سورة الكهف ما هي مجرد قصص متفرقة، ولا مشاهد تاريخية تمشي قدامك وخلاص. السورة من اولها لاخرها تقول لك: انتبه من اللي تمشي معهم، وانتبه اي درب تدخل، وانتبه من الذي يلون لك الباطل حتى يطلع في عينك حق. الحياة كلها في الاخير صحبة وطريق. يا انك تكون مع اهل النور، يا انك تنسحب شوي شوي مع اهل الغرور. ما فيه منطقة رمادية طويلة، ولا وقوف في النص الى الابد. البشر في النهاية فريقين: فريق مع ادم التائب، ومع الملائكة المطيعين، يعرفون قدر ربهم، ويعرفون ضعفهم، ويرجعون اذا زلوا. وفريق مع ابليس وذريته، مكابرة بعد مكابرة، وغرور بعد غرور، واصرار على البعد عن الله ولو لبسوا لبس العقل والمصلحة والحرية.
ومن اول مشهد في السورة، يجيك مشهد الفتية. شباب، والدنيا قدامهم، والعمر عمر انفتاح ورغبات واحلام، لكنهم عرفوا بدري ان اكبر نعمة مو القصور، ولا القبول عند الناس، ولا السلامة الظاهرة. اكبر نعمة انك تلقى جماعة تقول: ربنا رب السماوات والارض. هم ما نجوا واحد واحد، نجوا يوم صاروا مع بعض. يوم صارت القلوب متساندة، والايمان يسند الايمان، والكلمة الطيبة تشد على القلب اذا خاف، وتذكره اذا نسي. هذه اول ظلال السورة: الصاحب الصالح مو رفاهية، الصاحب الصالح كهف. مو مجرد خوي تفضفض له، لا، هذا ستر من الفتنة، وهذا سبب من اسباب الثبات. الفتية ما احتموا بصخور الكهف قبل ما يحتمون بمعنى اعظم: الصحبة اللي تمشيك لله.
ثم تجي قصة صاحب الجنتين، وهنا يبان لك الوجه الثاني للصحبة. الرجل المؤمن ما كان حسودا، ولا متشفيا، ولا ينتظر سقوط صاحبه عشان يقول له: شفت؟ انا كنت صح. لا، كان يحاول يحميه. كان ينصحه وهو معه، ويحاوره وهو قريب منه، ويذكره بالله وهو ما زال يملك فرصة يرجع. هذه هي الصحبة الصادقة. مو كل من نصحك يبغى يكسر فرحتك، ومو كل من خوفك من الغفلة حاسد لك. احيانا اكثر انسان يحبك هو اللي يوقف بوجه غرورك، ويقول لك: لا تنخدع. لا تظن ان النعمة دليل رضا مطلق، ولا تظن ان كثرة المال تعني انك ناجي. صاحب الجنتين الثاني كان كأنه يقول له باللهجة اللي نفهمها اليوم: يا رجال هونها، لا يغرك اللي عندك، لا تنسى من عطاك، لا تصير عبد للمزرعة وتنسى رب السماء. لكنه ما خدعه، وما نافقه، وما قال له كلام يريحه وهو يوديه للهلاك. الصاحب الصالح ما يبيعك بابتسامة، ولا يجامل على حساب دينك، ولا يصفق لك وانت تمشي للحفرة.
وبين هالمشاهد كلها يجي الامر الرباني الثقيل الجميل: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه. كانك تسمعها تقول: ترى المسالة مو سهلة. الصحبة الصالحة يبيلها صبر. ليه؟ لان اهل الصدق غالبا مو اصحاب بهرجة، ولا اهل استعراض، ولا دايم هم الناس اللي تعجب العيون في اول نظر. يمكن بسيطين، يمكن ما عندهم من زخارف الدنيا شيء، لكن عندهم شيء اذا فقدته خسرت كل شيء: صدق التوجه لله. فالله يقول لنبيه، وهو النبي، واصبر نفسك معهم. يعني الزمهم. اقعد معهم. لا تنجرف للمقاييس السطحية. لا تعط عيونك للواجهات وتنسى القلوب. هذه الاية تلخص قضية السورة كلها: من تجلس معه يحدد اين ينتهي بك الطريق.
ثم تمشي السورة الى موسى والخضر، وهناك نوع اخر من الصحبة الصالحة. مو صحبة تسلية، ولا مجرد مواساة، بل صحبة تربية وكشف حجب. موسى، وهو نبي كريم من اولي العزم، اراد الله له ان يرافق عبدا صالحا حتى يتعلم ان وراء ظاهر الاحداث حكمة اعمق، وان القدر مو كله ينفهم من اول لحظة. كم مرة نظن ان الشيء شر محض، وهو باب نجاة؟ وكم مرة نتعلق بشيء ونحسبه خير، وهو باب كسر لو تم لنا؟ هنا الصحبة الصالحة ترتفع لدرجة اعلى: انسان يقربك من التسليم لله، ويهذب استعجالك، ويكسر فيك غرور الفهم الكامل. الخضر ما كان يعطي موسى معلومات فقط، كان يربيه على ادب التلقي عن الله، وعلى ان الحقيقة اكبر من نظر العين القريب. وهذه من اعظم بركات الصحبة الصالحة: انها توسع صدرك لحكمة الله، وتفطمك عن الاعتراض السريع، وتخليك تقول: يمكن انا ما ادري، لكن ربي يدري.
ثم يجي ذو القرنين، الملك الصالح، والقوة في يده، والتمكين عنده، ومع هذا ما طغى، ولا استعلى، ولا استخدم قوته في العبث. وهنا السورة تقول لك ان الصحبة الصالحة ما هي فقط بين فرد وفرد، بل قد تكون بين قائد وامة، بين راع ومجتمع. ذو القرنين كان يسير بالقوة وهي مطيعة لله، مو متمردة عليه. كان يحمي المجتمعات الصالحة من افساد ياجوج وماجوج، ويبني السد كأنما يقول: من رحمة الله بالناس ان يجعل لهم من يدفع عنهم طوفان الفساد. اذا كان الفتية علمونا ان الجماعة المؤمنة تحفظ افرادها، فذو القرنين يعلمنا ان الحكم الصالح يحفظ المجتمعات كلها. وان القوة اذا دخلت يد مؤمن صارت رحمة، واذا دخلت يد مفسد صارت لعنة.
وفي عمق السورة كلها، يمر خيط واضح جدا: لا تنسون المعركة القديمة. من يوم قال الله للملائكة اسجدوا لادم، والبشرية تنقسم من داخلها قبل ان تنقسم في اشكالها الخارجية. في ناس روحها تميل الى السجود والطاعة والانكسار والرجوع. اذا اخطأوا تابوا، واذا ضعفوا استغفروا، واذا اعطوا شكروا. هذولا امتداد ادم. وفي ناس روحها تميل الى الكبر، الى التبرير، الى العناد، الى تعليق الخطا على كل شيء الا النفس. هذولا امتداد ابليس. وسورة الكهف كلها تفرز لك الناس بهذا الميزان. من الذي يعرف ربه؟ من الذي يغتر؟ من الذي يصبر مع اهل الايمان؟ من الذي يبيع نفسه لبريق عابر؟ من الذي يسلم لحكمة الله؟ ومن الذي يريد الدنيا تمشي على مزاجه؟ هنا يبان الفريقان.
والعجيب ان السورة ما تكتفي بان تقول لك: اختر الايمان. لا، هي تقول لك: اختر البيئة التي تعينك على الايمان. اختر الوجهة، واختر الجلسة، واختر اليد التي تمسك بيدك اذا تعبت. الفتية ثبتوا ببعضهم. وصاحب الجنتين وجد من يذكره قبل السقوط. وموسى وجد من يعلمه الصبر على حكمة الله. وذو القرنين صار حماية لخلق الله من موجات الفساد. وحتى النبي صلى الله عليه وسلم يوجهه ربه ان يصبر نفسه مع اهل الذكر. كانما النجاة في هذه الدنيا ليست بطولة فردية فقط، بل شبكة رحمة من الصحبة الصالحة، والقيادة الصالحة، والبيئة الصالحة، والتذكير الصالح.
وهكذا تصير سورة الكهف كلها درس كبير في سؤال واحد: مع من انت؟ مو ماذا تقول فقط، ولا ماذا تتمنى فقط، بل مع من تجلس، ومن تسمع له، ومن يطبع قلبك بطابعه. لان القلوب تسرق من بعضها، والارواح تتلون، والمرء يضعف وحده ويقوى باخوانه. والفتنة اذا اقبلت ما تنادي باسمها الحقيقي، بل تجي متزينة: مال، علم، سلطة، تفسير سطحي للامور، استعجال، كبر، او صحبة تضحكك وهي تفرغ قلبك من النور. لذلك كانت السورة كهفا. وكهفها الحقيقي مو الصخر وحده، بل الايمان الذي يظلل القلب، والصحبة التي تمسكك اذا مالت بك الدنيا، واليقين الذي يردك الى الله كلما تشعبت بك الطرق.
فاللهم اجعلنا مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه. واجعلنا من فريق ادم اذا زل تاب، لا من فريق ابليس اذا اخطا كابر. وارزقنا صاحب صدق اذا نسينا ذكر، واذا غرنا الضوء قال لنا: انتبه، واذا ضاقت بنا الاقدار ذكرنا ان وراء كل خرق سفينة، وكل هدم جدار، وكل منع ظاهر، رحمة لا يراها الا من صبر مع الله.