أنا الرجل الموزع بين ألف صوت وصوت. أستيقظ في الصباح فأجد العالم قد سبقني إلى رأسي. هذا يحذرني، وهذا يغريني، وهذا يهددني، وهذا ينصحني نصيحة تشبه السكين إذا دخلت خرجت الروح معها. أفتح هاتفي كمن يفتح نافذة، فإذا بي أفتح باب سوق كبير، كل بائع فيه يصرخ: الحق عندي، النجاة عندي، الخوف عندي، الطريق من هنا. فأمشي خطوة نحو هذا، ثم أرتد خطوة نحو ذاك، حتى لا يبقى مني إلا رجل واقف في منتصف الطريق، لا هو هرب، ولا هو وصل.
ثم تمر علي أول آيات الأحزاب كأنها يد تمسك بكتفي وسط الزحام: يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين. فأفهم أن الفتنة ليست أن يكثر الشر فقط، بل أن يلبس الشر ربطة عنق، ويجلس في قناة محترمة، ويتحدث بهدوء، ويطلب منك أن تكون عاقلا، أي أن تسكت. ويطلب منك أن تكون واقعيا، أي أن تنحني. ويطلب منك أن تكون مرنا، أي أن تكسر عمودك الفقري بيديك ثم تسمي ذلك حكمة.
كنت أظن أن المشكلة في قلة الأصوات، فإذا بالقرآن يعلمني أن المشكلة أحيانا في كثرتها. فالرجل في زمن الفتن لا يموت من العطش، بل قد يغرق في بحر النصائح. كل أحد يريد أن يقودك، حتى الذين لا يعرفون إلى أين يذهبون. وكل أحد يريد قلبك، حتى الذين باعوا قلوبهم من زمن بعيد. لذلك جاءت الآية لا لتقول فقط: اتق الله، بل لتقول بعدها: لا تطع. لأن التقوى ليست شعورا دافئا في المسجد، بل موقف بارد وحاسم أمام من يريد أن يشتري خوفك.
ثم تقول الآية: واتبع ما يوحى إليك من ربك. هنا وجدتني كطفل ضائع عثر على اسم أبيه مكتوبا على باب البيت. اتبع ما يوحى إليك، لا ما يصرخون به في أذنك. اتبع الوحي لا الوهم. اتبع النور لا الفلاشات. اتبع ما نزل من السماء، لا ما صعد من شهوات الأرض ثم لبس ثوب الحكمة. عجيب أمر الإنسان، كلما ابتعد عن الوحي ظن أنه صار حرا، فإذا به يتحول إلى عبد عند أول منشور، وأول شائعة، وأول رجل يرفع حاجبه فيخاف الناس منه كأنه قدر.
كنت أريد خطة كاملة، خريطة، ضمانات، توقيعات من الغيب أن كل شيء سيكون آمنا. فجاءتني الآية الثالثة كأنها تضحك من خوفي بوقار: وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا. كفى بالله وكيلا، لا كفى بالناس، ولا كفى بالمال، ولا كفى بالتحليلات، ولا كفى بالتصفيق. أنت يا رجل لست مطالبا أن تحمل الكون على كتفيك. افعل ما عليك، ثم اترك ما ليس لك لمن لا يغيب عنه شيء. أما أن تقوم بدور العبد ودور الرب معا، فهذا هو التعب الذي لا أجر عليه.
ثم وصلت الآية التي فضحتني: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. توقفت عندها طويلا، كأنها لم تنزل في كتاب فقط، بل نزلت داخل صدري. نعم، أنا صاحب القلبين الكاذبين. قلب أضعه في الصلاة، وقلب أرسله بعد السلام إلى الناس يسألهم: هل رضيتم عني؟ قلب يقول حسبي الله، وقلب يفتش عن سند من مخلوق يرتجف مثلي. قلب يريد الجنة، وقلب يريد ألا يخسر شيئا من الدنيا. قلب يحب الحق، وقلب يفاوض الباطل على خصم مناسب.
قالت لي الآية: لا. أنت رجل واحد. ولن يعطيك الله قلبين لتريح تناقضك. لن يعطيك قلبا تؤمن به وقلبا تنافق به. لن يعطيك قلبا تصلي به وقلبا تسجد به للخوف. القلب الواحد إما أن يكون لله فينجو، أو يكون للناس فيتمزق بعدد أيديهم. ومن جعل قلبه في السوق، فلا يشتكي إذا عاد إليه مليئا بآثار الأحذية.
ثم مضت الآيات تصحح أسماء الأشياء. لا تجعلوا الأدعياء أبناءكم. لا تكذبوا على الحقيقة ولو كان الكذب عاطفيا وجميلا. ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله. هنا فهمت أن الفتنة لا تبدأ دائما من المدافع، بل أحيانا تبدأ من قاموس مزور. نغير اسم الظلم فنسميه مصلحة. نغير اسم الجبن فنسميه اتزانا. نغير اسم الخيانة فنسميها ذكاء سياسيا. نغير اسم الحرام فنسميه ضرورة. فإذا فسدت الأسماء فسدت الأحكام، وإذا فسدت الأحكام صار الإنسان يعبد الأصنام وهو يظن أنه يحدثها.
أنا الرجل الموزع بين ألف صوت وصوت، لكن الآيات تعيدني إلى صوت واحد. تقول لي: لا يغرنك أن الباطل صار أنيقا. ولا يخدعنك أن المنافقين يتحدثون بلغة المصالح العليا. ولا تظن أن قلبك فندق يستقبل كل عابر. القلب بيت، والبيت إذا لم يكن له صاحب صار محطة للغرباء.
ومع ذلك، لا تأتي الآيات بسوط فقط، بل تأتي برحمة تعرف ضعف الإنسان: وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم. ما أرحم هذا الدين، لا يذبحك لأنك تعثرت، لكنه يسألك: هل تعمد قلبك؟ هل كنت تبحث عن الحق فأخطأت، أم كنت تعرفه فهربت منه؟ فالخطأ غبار على الثوب، أما التعمد فهو نار في النية. والناس قد يقتلونك بخطأ، أما الله فيفتح لك باب العودة ما دام قلبك لم يتحول إلى خصم للحقيقة.
ثم ترفع الآية ميزان الحب والطاعة: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم. كأنها تقول لي: حتى نفسك لا تأمنها إذا خرجت من هدي النبوة. نفسك قد تخونك وهي تبكي عليك. قد تقودك إلى الهاوية وهي تقسم أنها تريد راحتك. قد تقول لك: اترك الطريق لأنه صعب، مع أن الصعوبة أحيانا دليل الطريق لا دليل الضياع. والنبي أولى بي من نفسي لأنه يدلني على الله حين تدلني نفسي على شهوتها، ويحملني إلى النجاة حين تحملني نفسي إلى تبرير السقوط.
في زمن الفتن، لا ينقصنا الذكاء، ينقصنا القلب الواحد. لا ينقصنا الكلام، ينقصنا الصدق. لا ينقصنا المحللون، ينقصنا رجل يسمع الوحي فلا يساوم عليه. رجل يعرف أن الحياة ليست مسرحا يصفق فيه الجمهور لمن يجيد التلون، بل امتحان طويل، والناجح فيه ليس من أرضى أكثر الناس، بل من خرج بقلب واحد لم يبع الله عند أول خوف.
لذلك أقول لنفسي كلما اشتد الزحام: يا أيها الرجل الموزع بين ألف صوت وصوت، اجمعك الله على صوت واحد. لا تكن نشرة أخبار تمشي على قدمين. لا تجعل قلبك شاشة يكتب عليها كل عابر رأيه. خف من الله، ولا تطع من يريدك بلا قلب. اتبع الوحي، وتوكل على الله، وسم الأشياء بأسمائها، واعترف بخطئك إذا أخطأت، ولا تجعل نفسك إلها صغيرا يقرر وحده ما ينجيه وما يهلكه.
فالله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه.
وهذه ليست آية في التشريح.
هذه آية في النجاة.

