امريكا وحش من ورق

  • انقر للتقييم

    لا اقول ان سورة الروم نزلت في امريكا
    ولا ازعم ان واشنطن هي روما التي سقطت ثم قامت
    فالقرآن اجل من ان نحشره في نشرة اخبار
    واعظم من ان نجعله تعليقا سياسيا على قناة غاضبة

    ولكنني اقول
    ان سورة الروم فتحت لنا بابا في جدار التاريخ
    وقالت لنا
    تعالوا وانظروا
    كيف تمشي الامبراطوريات على ساقين من حديد
    ثم تعرج فجأة
    كيف تضحك وهي منتصرة
    ثم تختنق وهي تبتسم
    كيف تلبس التاج
    وفي داخل رأسها صداع الهزيمة القادمة

    امريكا اليوم جسد كبير
    عريض المنكبين
    طويل الذراعين
    كثير العيون
    كثير الجنود
    كثير الشاشات
    لكن الجسد الكبير لا يعني انه جسد صحيح
    فقد يكون ضخما لانه مريض
    وقد يكون منتفخا لا لانه قوي
    بل لان الورم اتقن فن الخطابة

    وقلب امريكا هو الدولار

    ليس قلبا من لحم
    ولا قلبا يخفق بالرحمة
    ولا قلبا اذا رأى طفلا يبكي في آخر الارض ارتجف
    انه قلب من ورق اخضر
    وحبر بارد
    وديون واقفة على اطراف اصابعها
    وثقة عالمية لم تولد دائما من المحبة
    بل من الاعتياد
    ومن الخوف
    ومن حاملات الطائرات
    ومن البنوك التي تقول للعالم
    إما ان تؤمن بي
    او تموت خارج النظام

    اذا ارتجف الدولار
    ارتجفت اطراف الامبراطورية
    واذا عطس السوق
    سعلت المدن
    واذا احمرت شاشة البورصة
    دخلت السياسة غرفة الانعاش
    وصار الرئيس طبيبا
    والوزير ممرضا
    والاعلام جهاز تنفس صناعي
    والناس ينتظرون تقريرا طبيا عن مريض اسمه الاقتصاد

    وهنا تأتي سورة الروم
    لا كخطيب غاضب
    بل كطبيب سماوي
    تضع يدها على صدر الحضارة
    وتقول
    وما آتيتم من ربا ليربو في اموال الناس فلا يربو عند الله

    يا للعجب
    يربو في دفاترهم
    ولا يربو عند الله
    يكبر في الشاشات
    ولا يكبر في الميزان
    يزداد رقما
    وينقص بركة
    يعلو في الاسواق
    ويهبط في السماء

    كأن الآية تقول للامبراطوريات
    قد تنجحون في تسمين المال
    لكنكم لا تستطيعون ان تمنحوه الروح
    قد تنفخون الجسد حتى يملأ الخريطة
    لكن الانتفاخ ليس صحة
    وقد ترفعون الارباح حتى تلامس السحاب
    لكن الربا اذا دخل قلب الحضارة
    صار ورما
    والورم لا يصفق له العقلاء
    ولو لبس بدلة انيقة
    وحمل حقيبة استثمارية
    وتحدث عن النمو المستدام

    ثم انظر الى رئتي امريكا
    انها لا تتنفس هواء فقط
    بل تتنفس صورا
    افلاما
    منصات
    اخبارا
    موسيقى
    هوليوود
    اعلانات
    رغبات مصنوعة
    احلاما معلّبة
    وخوفا يباع بالتقسيط

    كانت روما القديمة تملك المدرج
    وكان الناس يصفقون للمصارعين
    ويرون الدم فيظنونه ترفيها
    اما روما الجديدة
    فقد جعلت الكولوسيوم في جيب كل انسان
    الهاتف مدرج
    والشاشة ساحة قتال
    والجمهور لا يحتاج ان يذهب الى روما
    لان روما جاءت اليه
    جلست في كفه
    وسألته بهدوء
    ماذا تريد ان ترى اليوم
    بطلا نصنعه لك
    ام عدوا نختاره نيابة عنك

    تخلق الحلم ثم تبيعه
    تخلق الخوف ثم تؤجر له حراسا
    تخلق الشرير ثم تقصفه امام الكاميرا
    تخلق البطل ثم تمنحه موسيقى مؤثرة
    حتى اذا بكى المشاهد
    ظن ان دموعه حرة
    وما علم ان عينه نفسها صارت مستأجرة

    اما عضلات امريكا
    فهي القواعد العسكرية
    والاساطيل
    والتحالفات
    والصواريخ التي تعرف طريقها اكثر مما يعرف الانسان طريق قلبه
    عضلات ممتدة في البر والبحر
    وفي الجزر
    وفي الصحارى
    وفي خرائط لا يعرف اسماءها المواطن العادي
    لكن الجنرال يعرفها كما يعرف موضع جيبه

    غير ان سورة الروم تسأل سؤالا لا تحبه العضلات
    اولم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا اشد منهم قوة

    اشد منهم قوة
    هذه العبارة وحدها تكفي لتكسير غرور الجنرالات
    اشد منهم قوة
    ومع ذلك صاروا حجارة
    صاروا متاحف
    صاروا صورا في كتب التاريخ
    صاروا موضوعا يشرحه المرشد السياحي
    لرجل يشتري تذكرة
    ويأكل مثلجات
    ويلتقط صورة عند بوابة امبراطورية كانت تظن ان الشمس جندي من جنودها

    كانت لهم جيوش
    ثم صار لهم فصل في كتاب
    كانت لهم عواصم
    ثم صار لهم ركام
    كانت لهم هيبة
    ثم صار لهم تماثيل بلا ارواح
    كانت لهم اوامر
    ثم صاروا عبرة لمن له قلب
    او القى السمع وهو شهيد

    وأعصاب امريكا هي الشبكات
    الانترنت
    البيانات
    الكابلات البحرية
    الذكاء الصناعي
    انظمة الدفع
    الاخبار العاجلة
    الاقمار
    الخوارزميات
    العالم كله يمر في عصبها
    لكن يا لسخرية القوة
    كلما زاد الاتصال
    زاد احتمال الشلل
    فالإمبراطورية الحديثة لا تحتاج دائما الى جيش يغزوها
    قد يكفيها خلل في خادم
    او عطل في شبكة
    او انقطاع كهرباء
    او فقدان ثقة
    فتجد الجسد العملاق يبحث عن زر اعادة التشغيل
    كما يبحث شيخ منهك عن عصاه

    اما جلد امريكا
    فهو خطاب القيم
    الحرية
    الديمقراطية
    حقوق الانسان
    المساواة
    يا له من جلد ناعم حين يغطي جسدا عادلا
    ويا له من قناع قاس حين يغطي مصالح عارية

    ليست المشكلة ان تتكلم الحضارة عن القيم
    بل ان تجعل القيم مكياجا للغلبة
    تضع الحرية على وجهها حين تدخل مؤتمرا
    وتخلعها عند باب الميناء
    تتكلم عن حقوق الانسان في القاعة المضاءة
    ثم تترك الانسان نفسه تحت الركام
    اذا كان خارج الحسبة
    او خارج الحلف
    او خارج خريطة المصالح

    ثم تأتي الآية كأنها تقرير طبي عن جسد العالم كله
    ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس

    ظهر الفساد
    لم يعد مخفيا
    لم يعد يحتاج الى محلل
    ولا الى لجنة تقصي حقائق
    الفساد صار رائحة في الهواء
    ملحا مرا في البحر
    دخانا في السماء
    غبارا على المدن
    خوفا في البيوت
    سعرا في السوق
    كذبا في اللغة
    وقانونا يلبس ثوب العدالة
    وهو يعرف انه حارس عند باب الظلم

    ظهر الفساد في البر
    مصانع تلهث
    مدن تبتلع فقراءها
    حروب تولد من رحم الصفقات
    ارض تئن من الاستهلاك
    وانسان يشتري ما لا يحتاج
    ليثبت لمن لا يحبونه
    انه ما زال موجودا

    وظهر الفساد في البحر
    نفط
    نفايات
    اساطيل
    طرق شحن
    صراع على الممرات
    وحيتان تموت بصمت
    كأنها شهداء بلا نشرات اخبار

    بما كسبت ايدي الناس
    لا بما فعل القدر وحده
    فالانسان حين يفسد
    لا يفسد قلبه فقط
    بل يفسد الماء
    والهواء
    والسوق
    والقانون
    واللغة
    حتى تصبح الكلمات نفسها ملوثة
    يسمون الغزو تدخلا
    ويسمون النهب استثمارا
    ويسمون الخوف استقرارا
    ويسمون الصمت حكمة
    ويسمون الطاعة العمياء سلاما

    لكن سورة الروم ليست نشيدا للشماتة
    وليست مقالا للانتقام
    وليست منصة نرفع عليها اصابعنا في وجه امبراطورية
    ثم ننام مطمئنين الى عجزنا

    سورة الروم سورة وعي
    تبدأ بهزيمة
    ثم تبشر بغلبة
    لتقول ان التاريخ لا يثبت على لقطة واحدة
    لا تغتر بمن انتصر اليوم
    ولا تيأس اذا هزم الحق في جولة
    فالايام ليست ملكا لاحد
    والدول ليست خالدة
    والرايات لا تبقى مرفوعة لانها جميلة
    بل لان الله يأذن لها بزمن
    ثم يطويها حين تنتهي الحكمة

    لله الامر من قبل ومن بعد

    قبل امريكا
    وبعد امريكا
    قبل روما
    وبعد روما
    قبل الدولار
    وبعد الدولار
    قبل الاساطيل
    وبعد صدأ الحديد
    قبل الشاشات
    وبعد انطفاء الضوء
    قبل الخوارزميات
    وبعد ان ينسى الناس كلمات السر
    قبل كل امبراطورية تقول انا
    وبعد ان يرد عليها التراب
    انت كنت هنا قليلا
    ثم مضيت

    فلا تنبهر حتى تفقد بصيرتك
    ولا تشمت حتى تفقد عدلك
    ولا تيأس حتى تفقد ايمانك
    ولا تقرأ القرآن لتشتم به غيرك
    بل اقرأه اولا
    ليخلع من قلبك روما الصغيرة
    روما التي في داخلك
    روما المال
    روما الكبر
    روما الخوف
    روما الشهوة
    روما التي تريد ان تغلب ولو ظلمت
    وان تكبر ولو فسدت
    وان تظهر ولو ضاع الحق

    فالامبراطوريات الكبرى لا تسقط وحدها
    نحن نسقط قبلها حين نقلد مرضها
    نلبس جلدها
    ونحسد عضلاتها
    ونتنفس اعلامها
    ونضع الدولار في موضع القلب
    ثم نسأل
    لماذا لا ننهض

    سورة الروم تقول للرجل المسلم في زمن امريكا
    امش في الارض
    لا لتفتح فمك دهشة
    بل لتفتح عينك عبرة
    انظر الى العواقب
    الى المدن التي كانت تامر فصارت تزار
    الى الجيوش التي كانت ترعب فصارت تشرح
    الى القصور التي كانت تحكم فصارت خلفية للصور

    وافهم
    ان الامبراطورية مهما اتسعت
    ليست إلها
    لها قلب يمرض
    ورئة تختنق
    وعصب يرتبك
    وعضلة تضعف
    وجلد يتشقق

    اما الله
    فله الامر

    من قبل

    ومن بعد

0 تعليقات
  • ٪ s معجب بهذا