إضاءات لرجل مشتت في زمن الفتن 1

  • انقر للتقييم

    أنا الرجل المشتت الذي ظن طويلا أن الحرية أن أختار ما أشاء، حتى جاءت الآية كالقاضي الأخير، لا تصرخ، ولا تستأذن، ولا تعقد مؤتمرا صحفيا:
    وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم
     ,هنا لا يترك القرآن للغرور مقعدا في الصف الأول. ويقول لي: حين يتكلم الله، ينتهي   التصويت وحين يقضي الرسول، تسقط اقتراحات النفس فليست القضية أنك لا تفكر، بل أن تعرف متى ينتهي التفكير ويبدأ التسليم فالعقل مصباح، لكنه ليس شمسا والرأي مركب، لكنه ليس قبلة والحرية التي تصادم أمر الله ليست  حرية، بل عبد هارب يلبس ثوب أمير.
    كنت أقول: أريد أن أقتنع أولا.فقالت الآية: بل آمن أولا، ثم سيضيء لك الطريق. فالطاعة ليست دائما ابنة الفهم الكامل، أحيانا يكون الفهم الكامل ابنا للطاعة كم من طريق لم نعرف حكمته إلا بعد أن مشيناه، وكم من نهي ظنناه حرمانا، فإذا به سور حول القلب، لا سجن له ثم تأتي قصة زيد وزينب، لا كحادثة عابرة، بل كزلزال اجتماعي فكان المجتمع يصنع قيوده من العرف، ثم يرش عليها عطرا، ويسميها شرفا وكان الناس يخافون من كسر العادة أكثر مما يخافون من كسر الحق فجاء القرآن ليقول إن بعض العادات لا تسقط بالموعظة، بل تحتاج إلى حدث يفضحها في وضح النهار.
    وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه يا لها من آية تكشف الإنسان من داخله فليست المشكلة أن تخاف، فالخوف جبلة  ولكن  المشكلة أن تجعل الناس أكبر من الله في لحظة القرار. وأن تحسب ألف حساب لعيونهم، ولا تحسب حسابا واحدا لنظر الله إليك وأن ترتب كلماتك خوفا من مجالسهم، وتنسى أن الله يقرأ ما قبل الكلام. فالرجل في زمن الفتن لا يخاف السجن وحده.فقد يخاف الهمس. ويخاف اللقطة. ويخاف التعليق ويخاف أن يقول الناس: تغير.ويخاف أن يقولوا: خسر مكانته. ويخاف أن يقولوا: لم يعد مناسبا لنا
    حتى يصبح المجتمع صنما لا يعبد في معبد، بل في الصدر.
    والآية لا تفضح لتكسر، بل تفضح لتطهر. فكأنها تقول: لا تجعل قلبك مخزنا للأشياء التي سيظهرها الله وما خبأه القلب خوفا من الناس، قد يخرجه الله تربية لصاحبه ورحمة بالأمه فالحق إذا بقي حبيس الصدر، ماتت به صدور كثيرة.
    ثم تأتي الجملة التي تسحق أوهام العادات: وكان أمر الله مفعولا أي أن الكون ليس جمعية عمومية. والقدر لا ينتظر توقيع الجمهور. والحق لا يصبح حقا بعد أن يوافق عليه الناس فأمر الله مفعول، ولو غضبت القبيلة، ولو اضطربت الصحف، ولو جلس المنافقون في المقاهي يوزعون الحكمة على شكل سم.
    ثم تقول الآيات: ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين  خلوا من قبل فكأن القرآن يعيد الرجل المشتت إلى خط الأنبياء فلا نبي بلا ابتلاء. ولا رسالة بلا كلفة ولا إصلاح بلا حرج اجتماعي.
    كل من حمل الحق اضطر يوما أن يخالف ما ألفه الناس فالناس لا يحاربون الباطل فقط، بل قد يحاربون الحق حين يأتي بوجه غير مألوف وهنا نفهم معنى الرجولة الإيمانية  الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله
    ليس الشجاع من لا يخاف. فالشجاع من جعل خوفه مرتبا فهو يخاف الله أولا، ثم يصغر كل شيء بعد ذلك. فيخاف أن يخون الرسالة أكثر مما يخاف أن يخسر الجمهور. ويخاف أن يسكت حين يجب الكلام، أكثر مما يخاف أن يتكلم فيغضب الناس.
    ما أكثر الذين يبلغون رسائل الناس.فهنا رسالة الحزب وهناك رسالة السوق وقبلها 
    رسالة القبيلة.ولا تنس رسالة الموضة واهم منهم رسالة المصلحة.
    لكن القرآن يتحدث عن صنف آخر رجال يبلغون رسالات الله، لا يبيعون النص خوفا من النصابين، ولا يخففون الحق حتى يصفق له الباطل ومن ثم تأتي الآية لتغلق بابا كان الناس يطرقونه بالوهم: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين هذه ليست آية نسب فقط، بل ترتيب للولاء. محمد صلى الله عليه وسلم ليس امتدادا لعصبية بيت، ولا شيخ قبيلة، ولا زعيما عائليا، ولا أبا اجتماعيا تحكمه تقاليد النسب.
    إنه رسول الله.
     ومقام الرسالة أعلى من روابط العادة وخاتم النبيين، فلا نبي بعده يصلح ما أفسده المتلاعبون. ولذلك صار علينا أن نحرس الوحي، لا أن ننتظر وحيا جديدا يعتذر عن تهاوننا.
    ثم بعد هذا كله، بعد القضاء والطاعة، وبعد الخوف والناس، وبعد كسر العرف، وبعد تثبيت الخاتمية، يأتي العلاج العملي للرجل المشتت: يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا وكأن القرآن يقول: لا يكفي أن تعرف الحق مرة، يجب أن تظل متصلا به فالفتنة لا تهجم مرة واحدة ثم تذهب.ولكنها   تزورك كل يوم في ثوب جديد.ومرة في خبر. ومرة في صديق ومرة في خوف على الرزق ومرة في رغبة أن تكون محبوبا عند الجميع. ولذلك لا يكفي ذكر قليل لقلب محاصر بضجيج كثير.
    اذكروا الله ذكرا كثيرا. وذلك لأن العالم يذكرك بنفسه كثيرا والشاشات تذكرك وبالخوف كثيرا. والناس يذكرونك بعيوبك كثيرا. والشيطان يذكرك بما فات كثيرا.
    فإن لم تذكر الله كثيرا، سرقك الذين يذكرونك بكل شيء إلا الله.
    وسبحوه بكرة وأصيلا. في أول النهار قبل أن يلوثك الزحام. وفي آخره قبل أن تنام على غبار المعركة فابدأ يومك بالتسبيح، كمن يغسل قلبه قبل النزول إلى السوق.
    واختمه بالتسبيح، كمن ينزع من روحه رائحة الناس.
    ثم تأتي البشرى التي لا تشبه أي بشرى: هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم  من الظلمات إلى النور فيا أيها الرجل المشتت، لست وحدك في هذه الحرب.
    أنت لا تصعد إلى النور بيديك فقط. فالله يصلي عليك رحمة وثناء، والملائكة تدعو لك، واللطف الخفي يعمل في جهات لا تراها فحين تريد الخروج من ظلمة نفسك، هناك عون من السماء لا يظهر في نشرات الأخبار.
    الظلمات كثيرة، والنور واحد. فهناك ظلمة الخوف.وظلمة العادة وظلمة الناس وظلمة الرأي حين ينتفخ. وظلمة الشهوة حين تتزين وظلمة المجاملة حين تأكل الدين وظلمة أن تعرف الحق ثم تؤجل اتباعه حتى يرضى الجميع