هناك هزائم لا يصنعها الخصم وحده، بل نصنع نصفها نحن بأيدينا، ثم نذهب إلى الملعب ونستغرب اكتمالها.
ليست المشكلة أن يكون المنتخب الإسباني قويًا، فالقوة الرياضية حقيقة تُحترم، وليست تُنكر. وليست المشكلة أن يعجب الشاب السعودي ببرشلونة أو ريال مدريد أو نجوم الليغا؛ فالكرة لعبة كونية، والجمال فيها لا وطن له. المشكلة تبدأ حين يتحول الإعجاب إلى خضوع، والمتابعة إلى تبعية، والخصم إلى تمثال ذهبي في خيال الجيل.
لقد صنعنا في بيوتنا وإعلامنا ومجالسنا ذاكرة رياضية غير عادلة.
الطفل الذي يكبر وهو يسمع أن لاعب أوروبا عبقري بالفطرة، وأن لاعبنا إذا أخطأ فهو محدود، وإذا أبدع فهو محظوظ، سيحمل هذه الجملة معه إلى الملعب ولو لم يشعر. وحين يقف أمام القميص الإسباني، لا يرى أحد عشر لاعبًا، بل يرى تراكم سنوات من المديح، والتحليل، والانبهار، والمقارنات القاسية.
الإعلام حين يكرر صورة الآخر كأنه الكمال المطلق، لا يعلّم الجمهور الكرة فقط، بل يعلّمه موقعه من الكرة. يعلّمه أن يكون مشاهدًا لا صانعًا، تابعًا لا منافسًا، مندهشًا لا واثقًا. وحين يأتي يوم المواجهة، نطالب اللاعب أن يتحرر في تسعين دقيقة من رواية سمعها عشرين سنة.
وهذا ظلم.
الأب الذي يشتري لابنه قميص برشلونة قبل أن يعرف أسماء لاعبي نادي مدينته، لا يرتكب خطأً رياضيًا بسيطًا، بل يشارك دون قصد في تشكيل ولاء مبكر. والمدرسة التي لا تحتفي بموهبة الحي كما تحتفي بنجم أوروبي، والنادي الذي لا يصنع حول لاعبيه قصة، والإعلام الذي لا يكتب عن المحلي إلا بعد السقوط، كلهم يشتركون في صناعة لاعب يدخل المباراة وظهره محمّل بأحكام المجتمع قبل ضغط الخصم.
نحن لا نخسر فقط لأن إسبانيا تمرر بسرعة.
نخسر أحيانًا لأننا نمرر الثقة إلى غيرنا بسرعة أكبر.
المنتخب يحتاج إلى تدريب وخطط واحتراف، نعم. لكنه يحتاج قبل ذلك إلى تحرير رمزي. يحتاج أن نعيد للاعب السعودي صورته في عقل الجمهور. أن نؤمن أنه ليس ضيفًا على البطولات، ولا متفرجًا في مسرح الكبار، ولا حالة عاطفية تظهر عند النشيد ثم تختفي عند أول هدف.
الأمم التي تنتصر لا تفعل ذلك لأنها لا ترى قوة غيرها، بل لأنها ترى قوتها أيضًا. تحترم الخصم دون أن تعبده، وتتعلم منه دون أن تنحني له، وتتابع نجوم العالم دون أن تحتقر أبناءها.
المطلوب ليس أن نغلق عيوننا عن أوروبا، بل أن نفتح عيوننا على أنفسنا.
فحين يصبح اللاعب المحلي مادة يومية للفخر لا للسخرية، وحين يصبح النقد بناءً لا جلدًا، وحين يتوقف الإعلام عن صناعة الفجوة النفسية بين “هم” و“نحن”، عندها لن يكون الإسباني شبحًا في الملعب، بل خصمًا محترمًا يمكن مجاراته، ومقاومته، وهزيمته.
الهزيمة الرياضية تُصلحها التمارين.
أما الهزيمة الرمزية، فلا يصلحها إلا تغيير الحكاية التي نرويها لأطفالنا.
لذلك، قبل أن نسأل: لماذا خسر المنتخب؟
علينا أن نسأل: ماذا قلنا عن المنتخب قبل أن يلعب؟
وماذا قلنا عن خصمه قبل أن يواجهه؟
ومن الذي كبر في مخيلة أبنائنا: لاعب الوطن أم أسطورة الخارج؟
إن أخطر هدف يدخل مرمانا ليس الذي يسجله الخصم في الدقيقة العاشرة، بل ذلك الهدف القديم الذي سُجّل في وعينا حين صدّقنا أن الآخر أكبر من المنافسة، وأننا أقل من المحاولة.
ومن هنا يبدأ النهوض:
لا من إنكار الخسارة، بل من منعها أن تتحول إلى عقيدة.