تكرار الكلمة يجلي المعنى

  • انقر للتقييم

     

     

    في القرآن، ليست الكلمة مجرد صوت، ولا التكرار مجرد إعادة. إنما هو انتقال بالقلب من درجة إلى درجة، حتى يبلغ المعنى تمامه.

     

    حين يقرأ المؤمن قول الله تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، قد يظن لأول وهلة أن كلمة "منها" الثانية يمكن الاستغناء عنها، ولكن البلاغة القرآنية تأبى ذلك. فلو قيل: لتركبوا منها وتأكلون لفهم السامع أن الحديث عن انتفاع واحد متصل، أما قوله: "منها ومنها" فيرسم أمام العقل قسمين مستقلين؛ قسمًا خلقه الله لخدمة الإنسان في سفره، وقسمًا جعله غذاءً وقوتًا. إنها واو تفصل بين نعمتين، وكلمة تتكرر لتعلن أن العطاء الإلهي لا يأتي في صورة واحدة.

     

    وهذا من أسرار البيان القرآني؛ فالتكرار فيه ليس حشوًا، وإنما هو زيادة في الدلالة، كما أن تكرار الموجة لا يعني أنها الموجة نفسها، بل هي ماء جديد يصل إلى الشاطئ.

     

    وتأمل قوله تعالى: ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾. إن تكرار "هؤلاء" يفتح بابًا واسعًا للتفكر؛ فرب العالمين يرزق المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، لأن عطاء الربوبية أوسع من أن يضيق بفريق دون فريق، وإن كان عطاء الآخرة لا يناله إلا أهل الإيمان.

     

    وفي قوله تعالى: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ﴾ يتكرر الظرف ذاته، وكأن الأرض ليست محطة عابرة، بل مسرح الحياة كلها؛ منها البداية، وفيها النهاية، ومنها البعث من جديد.

     

    إن القرآن يعلمنا أن للكلمة وزنًا، وأن للحرف وظيفة، وأن الواو قد تحمل من المعاني ما لا تحمله صفحات من الشرح. ولذلك وقف العلماء طويلًا عند ألفاظ حسبها بعض الناس متشابهة، فإذا هي مفاتيح لمعان دقيقة لا يستقيم المعنى إلا بها.

     

    ولو تأمل الناس القرآن بهذا القلب، لوجدوا أن كل آية ليست خبرًا يُقرأ، بل عالمًا يُكتشف. فكم من كلمة مرت على الألسنة آلاف المرات، ولم يلتفت إليها العقل إلا حين سأل: لماذا جاءت هكذا؟ ولماذا تكررت هنا دون غيرها؟

     

    ذلك هو جمال القرآن؛ يقرأه الطفل فيأنس، ويتدبره العالم فيزداد علمًا، ويعيده الشيخ فيرى فيه من الأسرار ما لم يره في شبابه. وكلما ازداد الإنسان علمًا باللغة والبيان، ازداد يقينًا بأن هذا الكتاب لا يكرر اللفظ إلا ليولد معنى جديدًا، ولا يضع حرفًا في موضعه إلا لحكمة، ولا يختار كلمة دون أختها إلا لأنها الأكمل والأدق.

     

    ولهذا يبقى القرآن معجزة لا تنقضي عجائبها؛ كلما ظن القارئ أنه بلغ غايتها، فتحت له آية بابًا آخر، وكلما حسب أنه أحاط بمعانيها، اكتشف أن وراء الحرف نورًا، ووراء التكرار حكمة، ووراء كل لفظة ربًا عليمًا أحكم كتابه، فقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾.

0 تعليقات
  • ٪ s معجب بهذا