عاد الإنسان من طريقه الطويل، لا يحمل عصا المسافر فقط، بل يحمل على كتفيه غبار المعاني التي ظن أنه فهمها.
كان قد تكلم كثيرا.
وعلّم كثيرا.
وحذّر كثيرا.
وبنى في نفسه صورة عن نفسه:
أنه صار أبصر من الأمس، وأقوى من الهوى، وأصفى من الخداع.
ثم جاءه طفل.
لم يأت الطفل بحجة طويلة.
ولا بخطبة مرتبة.
ولا بكتاب مفتوح.
كان يحمل مرآة.
مدّها إليه بصمت، كأن البراءة لا تحتاج إلى شرح.
فلما نظر الإنسان في المرآة، لم ير الوجه الذي ألفه.
رأى وجها آخر:
فيه تعب لم يعترف به.
وفيه قسوة دخلت باسم الحكمة.
وفيه خوف يختبئ خلف الحزم.
وفيه رغبة في التقدير تتخفى خلف الدعوة إلى الخير.
وفيه بقايا خصومة قديمة صارت جزءا من صوته.
يا نفس، ما أشد المرآة حين يحملها طفل.
فالطفل لا يجامل كما يجامل الكبار.
ولا يعرف كيف يضع العطر على العطب.
ولا يحسن صناعة العبارات التي تجعل القبح مقبولا.
يرى الشيء عاريا من تاريخه الطويل.
يسأل سؤالا صغيرا، فيسقط به بناء كبير من التبريرات.
لماذا تصرخ وأنت تقول إنك هادئ؟
لماذا تخاف وأنت تقول إنك متوكل؟
لماذا تنصح الناس، ثم لا تسمع النصيحة؟
لماذا تتحدث عن الرحمة ووجهك لا يرحم؟
لماذا تقول إنك لا تريد التصفيق، ثم تحزن إذا لم يلتفتوا؟
هذه أسئلة الطفل.
ليست فلسفة، لكنها سهم.
وليست اتهاما، لكنها كشف.
وليست علما واسعا، لكنها فطرة لم تتلوث بعد بما نسميه نحن النضج.
يا نفس، في داخل كل إنسان طفل يحمل مرآة.
طفل لم يزل يعرف الصدق قبل أن يتعلم التمثيل.
ويعرف الانقباض من الزيف قبل أن يحفظ أسماءه.
ويشعر أن شيئا ما غير صحيح، وإن عجز عن شرحه.
لكن الكبار يسكتون هذا الطفل.
يقولون له: لا تكن ساذجا.
لا تقل كل ما ترى.
تعلم المجاملة.
تعلم كيف تنجو.
تعلم كيف تبتسم وأنت لا تريد.
تعلم كيف تبرر ما لا يليق.
تعلم كيف تبدو أفضل مما أنت.
ثم يكبر الإنسان، وتصبح المرآة في داخله مغطاة بطبقات من المصلحة والخوف والصورة.