يا جماعة، أوقفوا كل شيء، وصفّقوا للبطل!

  • انقر للتقييم
     

    البطل الذي تجشّم عناء السفر الطويل — من باب بيته إلى باب أبيه، مسافةٌ مرعبة تُقدَّر بثلاث دقائق وربع — ودخل على والده وهو يحمل على كتفيه عبء البِرّ كله. فتح الباب، انحنى على رأس أبيه، طبع قبلةً مدروسة، مضبوطة بالميلي: ثانيتان لا أكثر، حتى لا تفسد زاوية التصوير. ثم جلس، أخرج جواله، التقط الصورة الخالدة: "أنا وسندي وضهري ❤️ بابا"، رفعها على الحالة، وانتظر الإعجابات تنهمر.

    يا سلام! برافو عليك! الأمة فخورة بك!

    اطمأنّ قلبك الآن، أليس كذلك؟ "أنا ابنٌ بارّ، أدّيتُ الواجب، خلّصت." خمس عشرة دقيقة، وسؤالٌ عابرٌ ألقيتَه وأنت تتفقّد ساعتك: "أخبارك إيش يا يبه؟" — والأب، بالطبع، سيقول: "بخير، الحمد لله." طبعاً سيقولها. لأنه يعرف أن السؤال ديكوريّ، وأن الإجابة الصادقة ستُربك جدولك المزدحم، وأنك "على عجلة"، وأن عندك "ظروف". الأب صار خبيراً في قراءة وجه ابنه المستعجل: متى يسأل ليسمع، ومتى يسأل ليرفع الحرج عن نفسه.

    وتمشي بعدها مرفوع الرأس، نفختَ صدرك، تشعر أنك معدنٌ نادر من الأبناء. لأنك — يا سيدي — "زرتَه"! ضحّيتَ بنصف ساعة من وقتك الثمين الذي كان يمكن أن يضيع في تمرير الريلز. أيُّ تضحية! أيُّ شهامة! اكتبوا اسمه في سجل الخالدين.

    ...

    تعالَ، خلّني أُريك رجلاً فهمها صح.

    دخل عمرُ بن الخطاب على رسول الله ﷺ في يوم اعتزل فيه نساءه، فوجده مهموماً، مغموماً، مضطجعاً على حصيرٍ خشِنٍ ترك أثره في جنبه الشريف، والبيتُ خالٍ إلا من قبضةٍ من شعير. عمر — الفاروق، الذي تفرُّ منه الشياطين في الطرقات — تنزل دمعته لما رأى حال حبيبه.

    والآن، تابِع جيداً، لأن هنا يبدأ الفرق بينك وبينه:

    عمر لم يكتفِ بقبلةٍ على الرأس وكلمة "سلامتك يا رسول الله، الله يطمّن قلبك". عمر لم يلتقط معه صورة. عمر عقد العزم على شيءٍ واحد: لن أخرج من هذا البيت حتى أرى ثغره الشريف يتبسّم. جعل من إدخال السرور على قلب النبي ﷺ مشروعاً، ومهمةً، وهدفاً. قعد، وحكى له حكاية نسائه، واجتهد، وتكلّف، حتى تبسّم رسول الله ﷺ وضحك.

    أرأيت؟ هذا هو الفرق الذي يفصلك عن البِرّ الحقيقي بمسافةٍ أطول من ثلاث دقائق وربع.

    عمر ما جاء ليُسجّل حضوراً. جاء ليحمل الهمّ، لا ليلتقط معه صورة بجانبه. جاء ليُفرّغ قلبه من الغمّ، لا ليُفرّغ واجبه ويهرب. هو ما سأل "كيف حالك" ثم انتظر الجواب الكاذب المريح؛ هو اقتحم الحال نفسه، نزل إلى قاع الهمّ، ولم يصعد حتى انتشل صاحبه معه.

    ...

    فيا أيها البطل المُصفَّق له:

    أبوك لا يريد قبلةً على رأسه. أبوك ليس "حالة" ترفعها لتُثبت لمتابعيك أنك ابنٌ صالح. أبوك يريد عمر؛ يريد من يجلس حتى يضيق به الوقت لا حتى يضيق به المجلس، من يلاحق ابتسامته كما يلاحق عمرُ ابتسامة الحبيب، من يحمل عنه الهمّ بدل أن يحمل عنه صورةً للذكرى.

    السؤال ليس: هل زرتَ أباك؟
    السؤال: هل أضحكتَه؟ هل عرفتَ أصلاً ما الذي يُهمّه حتى تُفرّحه؟

    فإن لم تكن قد فعلت... فاحذف الصورة، وأعِد الكَرّة. هذه المرة، لا تخرج حتى يبتسم.